فخر الدين الرازي

192

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أصناف المشركين أربعة لان عبدة الأصنام أشركوا باللّه وعبدة الكواكب أشركوا باللّه والقائلون : بيزدان وأهرمن وهم الذين قال اللّه في حقهم : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [ الانعام : 100 ] أشركوا باللّه والقائلون : بان المسيح ابن اللّه والملائكة بناته أشركوا أيضا باللّه فهؤلاء هم فرق المشركين وكلهم معترفون ان اللّه خالق الكل وذلك لان عبدة الأصنام معترفون بان اللّه سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ولكل ما في العالم من الموجودات وهو الخالق للأصنام والأوثان بأسرها . واما عبدة الكواكب فهم معترفون بان اللّه خالقها وموجدها . واما القائلون بيزدان وأهرمن فهم أيضا معترفون بان الشيطان محدث وان محدثه هو اللّه سبحانه . واما القائلون بالمسيح والملائكة فهم معترفون بان اللّه خالق الكل فثبت بما ذكرنا ان طوائف المشركين اطبقوا واتفقوا على أن اللّه خالق هؤلاء الشركاء . إذا عرفت هذا فاللّه سبحانه قال له يا محمد : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا مع أن هؤلاء الذين اتخذوا ربا غير اللّه تعالى أقروا بان اللّه خالق تلك الأشياء وهل يدخل في العقل جعل المربوب شريكا للرب وجعل العبد شريكا للمولى وجعل المخلوق شريكا للخالق ؟ ولما كان الأمر كذلك ثبت بهذا الدليل ان اتخاذ رب غير اللّه تعالى قول فاسد ودين باطل . الوجه الثاني : في تقرير هذا الكلام ان الموجود اما واجب لذاته واما ممكن لذاته وثبت ان الواجب لذاته واحد فثبت ان ما سواه ممكن لذاته وثبت ان الممكن لذاته لا يوجد الا بإيجاد الواجب لذاته وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى ربا لكل شيء . وإذا ثبت هذا فنقول : صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكا للرب وجعل المخلوق شريكا للخالق فهذا هو المراد من قوله : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ثم إنه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين انه لا يرجع اليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ومعناه ان اثم الجاني عليه لا على غيره وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى اي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ثم بين تعالى ان رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم فيه ولا آمر الا اللّه تعالى فهو قوله : ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 165 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 165 ) اعلم أن في قوله : جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وجوها : أحدها : جعلكهم خلائف الأرض لان محمدا عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم . وثانيها : جعلهم يخلف بعضهم بعضا . وثالثها : انهم خلفاء اللّه في ارضه يملكونها ويتصرفون فيها . ثم قال : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ في الشرف والعقل والمال والجاه والرزق واظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل فإنه تعالى متعال عن هذه الصفات وانما هو لأجل الابتلاء